أبي حيان الأندلسي
12
تفسير البحر المحيط
الجمهور : ستكتب ، بالتاء من فوق مبنياً للمفعول . شهادتهم : بالرفع مفرداً ؛ والزبيري كذلك ، إلا أنه بالياء ؛ والحسن كذلك ، إلا أنه بالتاء ، وجمع شهادتهم ؛ وابن عباس ، وزيد بن عليّ ، وأبو جفعر ، وأبو حيوة ، وابن أبي عبلة ، والجحدري ، والأعرج : بالنون مبنياً للفاعل ، شهادتهم على الإفراد . وقرأ فرقة : سيكتب بالياء مبنياً للفاعل ، أي الله ؛ شهادتهم : بفتح التاء . والمعنى : أنه ستكتب شهادتهم على الملائكة بأنوثتهم . ويسألون : وهذا وعيد . * ( وَقَالُواْ لَوْ شَاء الرَّحْمَانُ مَا عَبَدْنَاهُمْ ) * : الضمير للملائكة . قال قتادة ومقاتل : في آخرين . وقال مجاهد : الأوثان علقوا انتفاء العبادة على المشيئة ، لكن العبادة وجدت لما انتفت المشيئة ، فالمعنى : أنه شاء العبادة ، ووقع ما شاء ، وقد جعلوا إمهال الله لهم وإحسانه إليهم ، وهم يعبدون غيره ، دليلاً على أنه يرضى ذلك ديناً . وتقدم الكلام على مثل هذه الجملة في أواخر الأنعام ، وفي الكلام حذف ، أي فنحن لا نؤاخذ بذلك ، إذ هو وفق مشيئة الله ، ولهذا قال : * ( مَّا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ ) * ، أي بما ترتب على عبادتهم من العقاب ، * ( إِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ ) * : أي يكذبون . وقيل : الإشارة بذلك إلى ادعائهم أن الملائكة إناث . وقال الزمخشري : هما كفرتان مضمومتان إلى الكفرات الثلاث ، وهم : عبادتهم الملائكة من دون الله ، وزعمهم أن عبادتهم بمشيئه ، كما يقول إخوانهم المجبرة . انتهى . جعل أهل السنة أخوات للكفرة عباد الملائكة ، ثم أورد سؤالاً وجواباً جارياً على ما اختاره من مذهب الاعتزال ، يوقف على ذلك في كتابه ، ولما نفى عنهم ، علم ترك عقابهم على عبادة غير الله ، أي ليس يدل على ذلك عقل . نفى أيضاً أن يدل على ذلك سمع ، فقال : * ( قُلْ أَرَءيْتُمْ شُرَكَاءكُمُ ) * من قبل نزول القرآن ، أو من قبل إنذار الرسل ، يدل على تجويز عبادتهم غير الله ، وأنه لا يترتب على ذلك . ثم أخبر تعالى أنهم في ذلك مقلدون لآبائهم ، ولا دليل لهم من عقل ولا نقل . ومعنى : * ( عَلَى أُمَّةٍ ) * : أي طريقة ودين وعادة ، فقد سلكنا مسلكهم ، ونحن مهتدون في اتباع آثارهم ؛ ومنه قول قيس بن الحطيم : * كنا على أمّة آبائنا * ويقتدى بالأول الآخر * وقرأ الجمهور : أمّة ، بضم الهمزة . وقال مجاهد ، وقطرب : على ملة . وقال الجوهري : والأمّة : الطريقة ، والذي يقال : فلان لا أمّة له : أي لا دين ولا نحلة . قال الشاعر : * وهل يستوي ذو أمّة وكفور وتقدّم الكلام في أمّة في قوله : * ( وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ ) * . وقرأ عمر بن عبد العزيز ، ومجاهد ، وقتادة ، والجحدري : بكسر الهمزة ، وهي الطريقة الحسنة لغة في الأمّة بالضم ، قاله الجوهري . وقرأ ابن عباس : أمّة ، بفتح الهمزة ، أي على قصد وحال ، والخلاف في الحرف الثاني كهو في الأول . وحكى مقاتل : إن الآية نزلت في الوليد بن المغيرة ، وأبي سفيان ، وأبي جهل ، وعتبة ، وشيبة بن أبي ربيعة من قريش ، أي كما قال من قبلهم أيضاً ، يسلي رسول الله صلى الله عليه وسلم ) بذلك . والمترف : المنعم ، أبطرتهم النعمة ، فآثروا الشهوات ، وكرهوا مشاق التكاليف . وقرأ الجمهور : قل على الأمر ؛ وابن عامر وحفص : قال على الخبر . وقرأ الجمهور : جئتكم ، بتاء المتكلم ؛ وأبي جعفر ، وشيبة ، وابن مقسم ، والزعفراني ، وأبو شيخ الهنائي ، وخالد : جئناكم ، بنون المتكلمين . والظاهر أن الضمير في قال ، أو في قل ، للرسول ، أي : قل يا محمد لقومك : أتتبعون آباءكم ، ولو جئتكم بدين أهدى من الدين الذي وجدتم عليه آباءكم ؟ وهذا تجهيل لهم ، حيث يقلدون ولا ينظرون في الدلائل . * ( قَالُواْ إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ ) * ، أنت والرسل قبلك . غلب الخطاب على الغيبة . * ( فَانتَقَمْنَا مِنْهُمْ